علي محمد علي دخيل

365

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أنت كاذب على اللّه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون انه من عند اللّه قُلْ يا محمد نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ أي أنزل الناسخ جبرائيل ( ع ) مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ أي بالأمر الحق الصحيح الثابت لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا بما فيه من الحجج والآيات فيزدادوا تصديقا ويقينا ، ومعنى تثبيته : استدعاؤه لهم بألطافه ومعونته إلى الثبات على الإيمان والطاعة وَهُدىً أي وهو هدى وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ أي بشارة لهم بالجنة والثواب وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ يقول سبحانه : إنا نعلم أن الكفار يقولون : ان القرآن ليس من عند اللّه وإنما يعلم النبي ( ص ) بشر قال ابن عباس : قالت قريش إنما يعلمه بلعام وكان قينا بمكة روميا نصرانيا ثم الزمهم اللّه تعالى الحجة وأكذبهم بأن قال لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ أي لغة الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجمية أي لسان هذا البشر الذي يزعمون أنه يعلمك أعجمي لا يفصح ولا يتكلم بالعربية ، فكيف يتعلم منه ما هو في أعلى طبقات البيان وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ أي ظاهر بين لا يشكك ، يعني إذا كانت العرب تعجز عن الإتيان بمثله وهو بلغتهم فكيف يأتي الأعجمي بمثله ؟ ثم اتبع سبحانه هذه الآية بذكر الوعيد للكفار على ما قالوه فقال إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بحجج اللّه التي أظهرها والمعجزات التي صدق بها قومك يا محمد لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي لا يهديهم إلى طريق الجنة بدلالة انه إنما نفى هداية من لا يؤمن فالظاهر أنه أراد بذلك الهدى الذي يكون ثوابا على الإيمان لا الهداية التي في قوله فأما ثمود فهديناهم ثم بيّن سبحانه ان هؤلاء هم المفترون فقال إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي إنما يخترع الكذب الذين لا يصدقون بدلائل اللّه تعالى دون من آمن بها ، لأن الإيمان يحجز عن الكذب وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ لا أنت يا محمد ، فحصر فيهم الكذب بمعنى ان الكذب لازم لهم ، وعادة من عاداتهم وهذا كما تقول كذبت وأنت كاذب فيكون قولك أنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب . وفي الآية زجر عن الكذب حيث أخبر سبحانه انه إنما يفتري الكذب من لا يؤمن ، وقد روي مرفوعا انه قيل : يا رسول اللّه المؤمن يزني ؟ قال : قد يكون ذلك قيل : يا رسول اللّه المؤمن يسرق ؟ قال : قد يكون ذلك قيل : يا رسول اللّه المؤمن يكذب ؟ قال : لا ثم قرأ هذه الآية . 106 - النزول نزل قوله : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ في جماعة أكرهوا ، وهم : عمّار وياسر أبوه وأمّه سميّة ، وصهيب وبلال وخبّاب عذبوا ، وقتل أبو عمار وأمه ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه ، ثم أخبر سبحانه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فقال قوم : كفر عمّار ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : كلّا ، ان عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، وجاء عمار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال ما وراءك ؟ فقال : شرّ يا رسول اللّه ، ما تركت حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير ، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ، فنزلت الآية ، عن ابن عباس وقتادة . 106 - 110 - مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ بأن يرتد عن الإسلام ، وشرح بالكفر صدرا ، فعليهم غضب من اللّه ولهم عذاب عظيم إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ فتكلم بكلمة الكفر على وجه التقية مكرها وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ أي ساكن بِالْإِيمانِ ثابت عليه ، فلا حرج عليه في ذلك وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي من اتسع قلبه للكفر ، وطابت نفسه به فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ